عبد القاهر الجرجاني
68
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
أصول في التشبيه والتمثيل : 61 - وههنا أصلٌ يجبُ ضبطُه وهو أنَّ جعْلَ المشبهِ المشبهَ به على ضرِبين : أَحدُهما : أنْ تُنْزِلَه مَنزلةَ الشيءِ تَذكُرُه بأَمرٍ قد ثبتَ له ، فأنتَ لا تحتاجُ إلى أَنْ تَعْمل في إثباتهِ وتَزْجِيَتَهِ 1 ، وذلك حيثُ تُسْقِط ذكرَ المشبَّه من البين 2 ، ولا تَذْكُرُه بوجهٍ منَ الوُجوهِ ، كقولك " رأيتُ أسداً " . والثاني : أن تَجعلَ ذلكَ كالأمرِ الذي يَحتاجُ إلى أن تَعْمل في إثباتِه وتَزجيتهِ ، وذلك حيث تجري اسم المشبه به خبرًا على المشبَّه 3 ، فتقولُ : " زيدٌ أسَدٌ ، وزيدٌ هو الأسدُ " أو تجيءُ بِه على وجهٍ يَرجعُ إلى هذا كقولك : " إنْ لقيتَه لقيتَ به أسداً ، وإنْ لقيتَه لَيَلْقيَنَّكَ منهُ الأسدُ " فأنتَ من هذا كلِّه تَعملُ في إثبات كونهِ " أَسداً " أو " الأسدُ " ، فأنتَ في هذا كلِّه تَعملُ في إثبات كونهِ " أَسداً " أو " الأَسَدَ " ، وتَضعُ كلامَك له . وأمَّا في الأول فتُخرِجُه مَخرجَ ما لا يَحْتاجُ فيه إلى إثبات وتقرير . والقياسُ يقتضي أنْ يُقال في هذا الضربِ أَعْني ما أنتَ تَعْملُ في إِثباتِه وتَزْجِيتهِ : أنَّه تَشبيهٌ على حدَّ المُبالغة ، ويقتصرُ على هذا القدرِ 4 ، ولا يُسمَّى " استعارة " . 62 - وأمَّا " التّمثيلُ " الذي يكونُ مجازاً لمجيئك بهِ على حَدِّ الاستعارة ، فمِثالُه قولُك للرَّجل يَتردَّدُ في الشّيءِ بين فعله وتركه : " أراك تقدم رجلًا وتؤخر
--> 1 " التزجية " أصلها الدفع والسوق الرقيق ، وأراد به هنا أن يترفق ويتلطف به كتى يلائم مكانه في المعنى . 2 في المخطوطات : " من البين " ، وفي المطبوعة : " من الشيئين " ، هوه لا خير فيه ، ويعني : من بين الكلام ، ويكثر عبد القاهر من استعمال " البين " بهذا المعنى . وانظر ما سيأتي في الفقرة رقم : 70 . 3 " خبرًا " في المخطوطات ، وفي المطبوعة : " صراحة " . 4 في " س " : " على هذا الحد " .